الراغب الأصفهاني
342
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
قد ذهبت في الطول منها والسّعة * وتحتشي من حافتيها بردعه مدح اللحية والاعتذار لها دخل رجل على قتيبة بن مسلّم وكان عظيم اللحية وقتيبة كان خفيف اللحية فقال : لقد كبرت لحيتك فقال : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا . فقال قتيبة : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبتك كثرة الخبيث وقد أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بتوفير اللحية فقال : أحفوا الشوارب واعفوا اللحى . ذم طول اللحية ومدح خفتها قال الجاحظ : ما طالت لحية رجل إلا تكوسج « 1 » عقله . قال شاعر : ألم تر أنّ اللّه أعطاك لحية * كأنّك منها بين تيسين قاعد وقال مديني لرجل قد ملأت لحيته وجهه : خندق على وجهك قبل أن يجري الماء في العود فيصير وجهك كله رأسا . وقيل : ما زادت لحية عن قبضة إلا نقص بمقدار زيادتها من العقل . قال شاعر : إذا لحية خفّت وفا عقل ربّها * وإن ضخمت لم يحظ إلا بها الصّدر وقال ابن الرومي : إذا عرضت للفتى لحية * وطالت وصارت إلى سرّته فنقصان عقل الفتى عندنا * بمقدار ما زيد في لحيته وعرض الرشيد خيل مصر فمر به أفراس كثيرة وسمها الجنيدي ، فسأل عنه فقيل : هو صاحب هذه الأفراس . فاستحضره فإذا هو لحياني « 2 » أحمق . فقال الرشيد : ما أحسن هذه الأفراس فقال : هي للخليفة يقبلها . وقيل : اللحية الطويلة عش البراغيث ومزبلة التراب والغبار . عذر من نتف من السخفاء قيل لمخنّث لم تنتف لحيتك وهي من هبة اللّه ؟ فقال : إن اللّه تعالى أمرني بذلك فقال : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردّوها ولم أجد بأحسن منها فرددتها . وقيل لآخر : لم تنتف لحيتك وقد زين اللّه بها وجهك ؟ فقال أتحب أن يزين بها فقحتك ؟ قال : لا قال : ما لا تحب أن يطلع في استك كيف أستصلحه لوجهي ؟
--> ( 1 ) تكوسج : صار كالكوسج والكوسج الذي لحيته على ذقنه لا على العارضين . ( 2 ) اللحياني : الطويل اللحية .